ابن عجيبة

614

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم أثنى اللّه - عز وجل - على يعقوب بأنه لقن مما علمه اللّه من هذا المعنى ، واندرج غيره في ذلك العموم ، وقال : إن أكثر الناس ليس كذلك . ه . وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي : ضم إليه بنيامين على الطعام ، أو في المنزل . روى أنه أضافهم ، فأجلسهم اثنين اثنين ، فبقى بنيامين وحيدا فبكى ، وقال : لو كان يوسف حيا لجلس معي ، فأجلسه معه على مائدته ، ثم قال : لينزل كل اثنين بيتا ، وهذا لا ثاني له فيكون معي ، فبات عنده وقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ قال : من يجد إذا مثلك ، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ وعرفه بنفسه ، فَلا تَبْتَئِسْ لا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في حقنا من الأذى ، أو : لا تحزن بما يعمله فتيانى ، ولا تبالي بما تراه في تحيّلى في أخذك . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ ، التي هي الصواع ، فِي رَحْلِ أَخِيهِ ، وهي إناء يشرب بها الملك ، ويأكل فيها ، وكان من فضة ، وقيل : من ذهب . وقيل : كان صاعا يكال به . وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه ؛ إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه . ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بعد أن انصرفوا : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ، والخطاب لإخوة يوسف ، وإنما استحل رميهم بالسرقة مع علمه بأنهم أبرياء ؛ لما في ذلك من المصلحة في المآل ، وبوحي لا محالة ، وإرادة من اللّه تعالى عنتهم بذلك ، يقويه قوله تعالى : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ، ويمكن من أن يكون فيه تورية ، وفيها مندوحة عن الكذب ، أي : إنكم لسارقون يوسف من أبيه ، حين باعوه . قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ أي : أىّ شئ ضاع منكم ؟ والفقد : غيبة الشيء عن الحس . قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ الذي يكيل به ، أو يشرب فيه ، وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل أؤديه إلى من رده . وفيه دليل على جواز الجعل ، وضمان الجعل قبل تمام العمل . قاله البيضاوي . قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ فيما مضى ، استشهدوا بعلمهم بديانتهم على براءة أنفسهم ؛ لما عرفوا منهم من الديانة والأمانة في دخولهم أرضهم ، حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم ؛ لئلا تنال زرع الناس ، قالُوا فَما جَزاؤُهُ أي : السارق ، إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في ادعاء البراءة . قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ؛ يحبس في سرقته ، ويسترقّ للمسروق منه ، وهذا كان قصد يوسف عليه السّلام ، وهي كانت شريعة يعقوب ، وكانت أيضا شريعتنا في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع . ثم قالوا : كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بالسرقة .